جائزة العمارة العراقية

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
23/08/2012 06:00 AM
GMT



مِنْ بين كل ما قيل وكُتب عن علاقة المهندسة المعمارية زهاء حديد بالعراق، تتميز بضعة سطور بعثتها لي قبل يومين بعاطفة جياشة لبلدها، وثقة وتفاؤل مُدهشين بمستقبله. أعلنت زهاء في الرسالة عن بالغ سرورها بأن تتولى تحكيم "جائزة التميُّز" لخريجي كليات الهندسة المعمارية في العراق. وزهاء والعراق كالأم التي تتحدث بحب عن ابنها، وتتناسى أخباره اليومية المفجعة، وتسترسل منتشية بالحديث عن "تاريخ العراق السرمدي، وإمكاناته غير المحدودة التي توحي بقدر عظيم من التفاؤل بالمعماريين العراقيين". وتعتبر زهاء "جائزة التميُّز" العراقية التي أنشأتها "جامعة كوفنتري" في بريطانيا "اعترافاً بالعمل الذي يعانق المستقبل بثقة، ويجلب الفخر المتجدد بتركيب المدينة".
والمدينة بالنسبة لزهاء "مهبط الوحي"، الذي تفتحت عيناها عليه وهي صبية، عندما رافقت والدها محمد حديد، والرحالة البريطاني المشهور ويلفرد ثيسيجر في زيارة لآثار "أور" جنوب العراق. وقد أثار رئيس "جمعية التراث البريطانية" سيمون جنكنز سخرية النقاد حين ادّعى أن "زهاء خيالية لا تصلح عمارتها إلا لصحراء العراق". والمدينة أهم إبداعات حضارة بلاد ما بين النهرين، التي أنشأت على حافة الأهوار جنوب العراق أول المدن في التاريخ "أريدو"، وانتظمت بعدها المدن كالجواهر في القلادة على امتداد نهري دجلة والفرات، من "أوروك" و"أكد" حتى "نينوى"، وعاصمة العواصم "بابل". وهذا صوت التاريخ في رسالة زهاء التي تقول إنها "متحمسة جداً لمساهمة العراق في العمارة العالمية"، ومتفائلة بما تسميه "الطابع المنشط للتعاون العالمي في مضمار العمارة؛ وفي الثقافة البحثية الجماعية الحقيقية، حيث تتغذى مساهمات وإبداعات عدة بعضها على بعض. وتزدهر المواهب في هذه الحركة العالمية". والسؤال هو: هل تحقق "جائزة التميُّز" توقعات زهاء في "دعم علاقة المعماريين العراقيين بهذا المجتمع العالمي"؟
قد نعثر على الجواب في "بينالي البندقية للعمارة العالمية" الذي يُفتتحُ الأسبوع المقبل. الموضوع الرئيسي لبينالي العام الحالي هو "الأرضية المشتركة" وفيها نرى، حسب زهاء "أن العمارة المعاصرة التي تعتبر غالباً من إبداع شخصيات رئيسية مستقلة تستند في الواقع على أصول تاريخية لأبحاث جماعية". وتذكر زهاء أن أعمالها التي اشتهرت عالمياً باستيحاء المدرسة المعمارية للثورة الروسية المعروفة باسم "سوبرماتية"، ارتبطت أيضاً "بتيارات تاريخية بحثية مختلفة" تظهر في أعمالها الجديدة التي تستوحي المعماري الألماني "فراي أوتو". وحقق "أوتو" في تصميم "الملعب الأولمبي" في ميونيخ سبعينيات القرن الماضي "أكثر التصاميم أناقة معتمداً على أساس عملية البحث في شكل المادة والهيكل المعماري". ولا تتردد زهاء في الاعتراف بأنها تعلمت من "أوتو" كيف "تنبثق من الثراء والسيولة والتوافق العضوي الأشكال والأحياز التي نرغب فيها، وينشأ التوازن الصعب للقوى المختلفة". وقد شاهد ملايين الناس عبر الفضائيات مسبح "أولمبياد لندن" الذي تقول عنه زهاء "يبدو من الخارج كموجة كبيرة، ومن الداخل كما لو كنت تحت البحر". إنه النصب المعماري الكبير الوحيد الذي أتيحت لزهاء إقامته في بريطانيا.
وكأجنحة فراشات سحرية يرفرف تصميم زهاء الغرافيكي السيال الذي يعرض الأسبوع المقبل في "بينالي البندقية"، ويحقق رؤية "أوتو" الذي يقول: "أسعى دائماً للتفكير بثلاثة أبعاد. العين الداخلية للعقل لا ينبغي أن تكون مسطحة، بل ثلاثية الأبعاد، حيث يصبح كل شيء شيئاً في الفضاء. فنحن لا نعيش في عالم ذي بعدين". وفي "بينالي البندقية" نكتشف أن العمارة لم تعد مجرد بناء "الأماكن العامة" بل بناء "الجماهيرية"، حسب المعماري الإيطالي باولو باراتا، رئيس "بينالي البندقية" الذي يعتبر "الأماكن للأفراد لكنها تعود لكل شخص"، و"العمارة مرجعية تخطيط المدن. وفن تنظيم الحيز الذي نشارك فيه". ويشير مصطلح "الأرضية المشتركة" إلى هذا المفهوم بالذات، ويؤكد "وجود ثقافة معمارية لم تنتج عن مواهب فردية، بل من استمرارية خصبة لأفكار متنوعة يوحدها تاريخ مشترك ومطامح، ومعضلات وأفكار مشتركة".
وفي العلاقة بين العمارة والنظام السياسي لا يبني النظام العمارة بل تبني العمارة النظام. وهذا هو منطق "جائزة التميّز". المهندس العراقي الشاب أحمد صلاح الملّاك، منسق الجائزة يعتبر الجائزة "الردّ على ما يجري في المشهد الثقافي والمعماري، حيث يهدم المقاولون بنايات تاريخية، هي آخر ما تبّقى من التراث المعماري، ويستبدلونها بمشاريع رخيصة النوعية". ويذكر الملّاك، الباحث في "جامعة كوفنتري"، أن شركات الهندسة المعمارية العراقية أظهرت تأييداً غير مسبوق، وأبدت اثنتان منها، هما "مجموعة الدليمي" و"ديوان للهندسة والعمارة"، استعدادهما لتوظيف الفائزين. ومساهمة الكفاءات المعمارية العراقية الشابة مدهشة، حيث قدّموا للمسابقة 135 مشروعاً، تختار ثلاثة منها هيئة تحكيم تضم أكاديميين معروفين على صعيد دولي وعربي، بينهم بول آيفي، أستاذ العمارة وعميد كلية الهندسة في "جامعة كوفنتري"، وخالد السلطاني، الباحث المعماري في "الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة" في الدانمارك، والمعماري الفرنسي جيروم غويارد، والأسترالية لندا بينيت، وكاثرين ماكينيل، رئيسة منظمة "العمارة لأجل الإنسانية".
وفي "جائزة التميز" حُبٌ عظيم للعراق، لكنه لا يعوض العراق عن خسارة زهاء، ولا يعوض زهاء عن خسارة العراق. فهذه المهندسة التي لا تغيب الشمس عن أعمالها حول العالم، وعددها 950 مشروعاً في 44 بلداً، لم تنشئ حتى اليوم مبنى واحداً في وطنها. وتفصل سنوات "عراقية" شاقة ما بين الانتهاء من وضع تصميم مشروع بناية "المصرف المركزي" العراقي الذي فازت به هذا العام وإكمال بنائه. ولا يملك العراقيون الحالمون بنصيبهم من زهاء سوى المطالبة بأن تطلق لعبقريتها العنان في البلد الذي أطلقها إلى العالم. فجائزة "التميز" ينبغي أن تكون مهرجاناً معمارياً دولياً يُعقدُ في بغداد، ويحمل اسم زهاء، وهي قادرة على تحقيق ذلك.
والمسافة بين قلب زهاء ولسانها ليست "معمارية". بدا ذلك عند منحها بمناسبة العيد الماسي لملكة بريطانيا لقب "السيدة" Dame الذي يعد من أرفع ألقاب التكريم الإمبراطورية، فاعتذرت في تصريحها "أنا لست إنجليزية، لكني أحب بريطانيا، ولندن خصوصاً، حيث درستُ وأكمل أبي دراسته الجامعية، كذلك أخواي"، وأضافت: "أنا أخجل فحسب لأنني لم أقم بأعمال أكثر هنا". والخجل على بريطانيا التي خسرت أهم إبداعات زهاء، وذلك عند إلغاء "دار أوبرا مدينة كارديف" التي فازت زهاء بتصميمها، وتحول حرمانها منه إلى فضيحة في تاريخ العمارة العالمية. وما خسرته بريطانيا فازت به الصين، حيث نال تصميم زهاء "دار أوبرا غوانغزو" هذا الشهر "جائزة أحسن مشروع عام".
والعمارة كما يقول الفيلسوف الأميركي لويس ممفورد "إمّا أن تكون نبوءة مجتمع لم يتشكل بعد أو مقبرة مجتمع اكتمل". وقد شطرت زهاء حديد، التي ولدت في العراق وأبدعت في بريطانيا، قلب البلدين شطرين. فاختَرْ المهدَ أو المقبرةَ. زهاء حديد جائزة العمارة العراقية للعالم.